محمد حسين علي الصغير
31
تاريخ القرآن
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ 14 « 1 » . وقد دلت الأحداث الاستقرائية ، والسيرة الذاتية للنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم على رجاحة عقله ، واتزانه في تصرفاته ، وتأكد لهم افتراؤهم بما شاهدوه من مجريات الأمور ، وقد لبثت النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بين ظهرانيهم حقبا طويلة قبل البعثة ، فما مسكوا زلة ، ولا أدركوا غفلة ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النكتة الدقيقة بقوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 2 » . وترددوا بقول الكهانة من بعد الجنون ، فردّ افتراءهم القرآن بما أمره به : فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ - 29 « 3 » . فما كان محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم إلا بشيرا ونذيرا ، وما كان الوحي إلا ذكرا للعالمين ، فأين هو من الكهانة وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ - 42 « 4 » . وحينما أعيتهم الحيلة ، ووقف بهم المنطق السليم ، انطلقوا إلى القول : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ « 5 » شأنهم في هذا شأن من تقدمهم من الأمم مع أنبيائهم ورسائلهم ، حذو القذة بالقذة ، في الادعاءات ، قال تعالى : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - 52 « 6 » وقد علموا جديا ، أن محمدا صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في أصالته العقلية ، أبعد ما يكون عن السحر والشعبذة والتمويه من قبل ومن بعد . وتمسكوا بأوهن من بيت العنكبوت ، فأشاعوا بكل غباء أن لمحمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم معلما من البشر ، وهو غلام رومي يمتهن صناعة السيوف بمكة ، فألقمهم القرآن حجرا بردهم ردا فطريا :
--> ( 1 ) الدخان : 14 . ( 2 ) يونس : 16 . ( 3 ) الطور : 29 . ( 4 ) الحاقة : 42 . ( 5 ) المدثر : 24 . ( 6 ) الذاريات : 52 . -